الرئيسية اتصل بنا RSS خدمة   21 تشرين الثاني , 2014 م  
 

صفة الحج
درس لفضيله الشيخ
ففي صباح هذا اليوم الثلاثاء الثامن من رمضان عام 1426هـ ودَّعت الدنيا بمدينة الرياض أحد أئمة العلماء وأعلامها النبلاء ، وهو الشيخ عبدا...
المزيد...
ساهم في التعريف بالموقع للتفاصيل اضغط هنا
خطب ومحاضرات  
تزكية النفس

=تزكية النفس
الحمد لله رب العالمين، أحمده وأشكره وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، وأشهد أن نبينا محمداً ورسوله المنزل عليه قول الله: (( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ))[التوبة:103]، اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، وسلم تسليماً كثيراً.
اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
أما بعد:
أيها الإخوة المؤمنون: أوصيكم ونفسي بما أوصانا الله تعالى به في قوله جل ثناؤه: (( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ))[النساء:131]، وبما وصى به إبراهيم بنيه ويعقوب عليهما الصلاة والسلام: (( يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ))[البقرة:132].
أيها الإخوة المؤمنون: أيها المؤمنون الذين أكركم الله بالإيمان، وأهلكم به لخيري الدنيا والآخرة، أذكركم والذكرى تنفع المؤمنين، أذكر ذا القلب السوي والعقل التقي من الملتزمين المتطلعين إلى تحقق تأويل قول الله سبحانه وتعالى فيهم: (( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ))[النحل:97] ، وقوله: (( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ))[النحل:32].

 

إنه ليسعى جاداً في تحقق ذلك في نفسه التي هي أغلى وأعز شيء لديه، في نفسه التي يبذل من أجل صحتها واستقرارها وأنسها ومتعتها وهنائها، يبذل جل أو كل إمكانياته فيما لو اقتضى الأمر ذلك، في نفسه التي هي أغلى شيء لديه، يبذل ذلك في تحققه في نفسه، ولن يتحقق له ذلك إلا بتزكيتها التزكية المطلوبة في كتاب الله لا المذمومة المنفية في كتاب الله، التزكية التي هي إحدى مهام الرسالة الكبرى: (( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ ))[الجمعة:2] التزكية التي أقسم تعالى عليها في كتابه وهو عظيم عليم لا يقسم إلا على أمر ذي بال وشأن مهم.
أقسم عليها بأقسام متتالية بأحد عشر قسماً متتالية مؤكدة بمؤكد من المؤكدات البلاغية، قال تعالى: (( وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ))[الشمس:1-9] هذا هو جواب القسم، هذا هو المقسم عليه، (( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ))[ الشمس:9-10].

 

وتزكية النفوس المطلوبة أيها الإخوة هو تزكيتها بتصفية معتقدها، بتحقيقها وتصفيتها لما خلقت له من توحيد الله سبحانه الذي يقول: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ))[الذاريات:56] أي: يوحدون، وحماية هذا الأمر من أن يتطرق إليه ما يناقض أصله من ارتكاب مكفرات أو كماله المطلوب من ارتكاب معاص ومحدثات تحقيقاً لمقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، وإلزامها بشرع الله جملة وتفصيلاً، في نطاق قوله عليه الصلاة والسلام: [ ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعتم ] تحقيقاً لمقتضى شهادة أن محمداً رسول الله.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في قوله جل شأنه: (( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ))[الأعلى:14] قال: طهر نفسه من الأخلاق الرذيلة، وتابع ما أنزل الله على رسوله صلوات الله وسلامه عليه.
هذا أيها الإخوة ما تزكو وتطهر وتطيب به النفوس وتحيا به الحياة الطيبة، تحيا به الحياة التي بها تطعم الإيمان وتتذوقه، وتأنس بالطاعات وتستلذها، وتنعم بها.
ولا عجب أيها الإخوة فالنفوس إذا أشربت حب الإيمان من قلوبها، نعمت وأنفت والتذت وارتاحت واطمأنت بما هي فيه من طاعة الله، بل وأتت بالعجب العجاب من معطيات طيبة وآثار حسنة لجهود طاعتها، وتاريخ أسلافنا رضي الله تعالى عنهم حافل بما يشهد لهذا.
فلكم قرأنا وسمعنا عن عالم أنسه ومتعته ولذته في رؤيته لقطوف ثمرات علمه، ومجاهد يعطي الأعداء نحره ابتغاء نصر دين الله أو لحوق روحه بأرواح من يستبشرون بها من الشهداء، ممن قال الله فيهم: (( وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ))[آل عمران:170]، بل وعابد متبع مستغرق في مناجاته لربه آناء الليل وآناء النهار: (( الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ ))[آل عمران:17].

 

كم وكم من هذا النوع أيها الإخوة ممن أثر عن بعضهم أنه يقول: إنه ليمر بالقلب ساعات إن كان أهل الجنة في مثلها إنهم لفي عيش طيب.
ونقل ابن القيم عن شيخه ابن تيمية رحمهم الله قال: (لما ورد عليه أمر سجنه بقلعة دمشق سر بذلك، وقال: ما يصنع بي أعدائي، جنتي وبستاني في صدري، حبسي خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة).
ومصداق تحقق هذه المعاني الطيبة في النفوس الطيبة من المؤمنين.. مصداق تحقق هذه المعاني في نفوس علماء مخلصين، ومجاهدين صادقين، وعباد متبعين، وجنود يعملون آناء الليل والنهار ابتغاء رضوان الله، مصداق هذا في قوله عليه الصلاة والسلام: [ ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن يحب العبد لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقى في النار ] رواه البخاري، وقوله: [ ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ].
فاتقوا الله أيها الإخوة المؤمنون: واعملوا على طلب تحقق هذه المعاني في نفوسكم، اعملوا على تحققها في النفوس بلزوم طاعة الله واجتناب معاصيه، وتذكروا أن النفوس كما تطيب وتطهر وتزكو بالطاعات فإن الضد بالضد، فإن المعاصي تدس النفوس وتدنسها وتخملها وتضعها بل وتقلقها وتوحشها وتفقدها ما تحتاجه في حياتها من أمن قلب وراحة بال واطمئنان نفس، بل وتعرضها لأليم العقاب وشدة الحساب، مهما جمعت من حطام أو أحيط بها من حالة إذا فقدت تلكم المعاني الأولى.

 

يقول جل وعلا في أول ما تلوته: (( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ))[ الشمس:9-10]، ويقول: (( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ))[الجاثية:21]، ويقول: (( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ))[الأنعام:125] ، ويقول: (( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ))[طه:123-126].
أقول قولي هذا، وأسأل الله بأسمائه الحسنى أن يرزقنا نفوساً طيبة زكية ترضى بقضائه، وتقنع بعطائه، وتكرم بالفوز بلقائه، يوم أن يوافيها ما كتب عليها بقول الله جل وعلا: (( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ))[آل عمران:185].
وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحبه ربنا ويرضاه، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو بها النجاة يوم نلقاه، يوم يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور، يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وعلى أصحابه، وعلى كل من دعا بدعوته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن أقدامكم على النار لا تقوى، وأن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم وسيتخطى غيركم إليكم فخذوا حذركم.
إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسول الله، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع جماعة المسلمين، ومن شذ عنهم شذ في النار.
عباد الله: إن الله جلت قدرته وتعالت أسماؤه كما أمرنا بتزكية النفوس بطاعة الله فلقد نهانا عن تزكية النفوس بالدعاوى التي لا مستنداً ولا داعياً لها، يقول جل وعلا: (( هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ))[النجم:32] أي: لا تطروها وتثنوا عليها وتمدحوها لتحمد بما لم تفعل، أو لتمن وترائي وتسمع لما قد فعلته من أعمال، فيحبط عملها بذلكم والعياذ بالله، يقول جل وعلا: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ ))[البقرة:264]، ويقول عليه الصلاة والسلام: [ من يرائي يرائي الله به ومن سمع سمع الله به ].

 

هذا أيها الإخوة ما لم تدع حاجة لبيان عن النفس، ما لم تدع الحاجة لبيان عن النفس، فإذا دعت جاز أن تذكر للحاجة بما فيها من واقعها، كما في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام: (( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ))[يوسف:55]، وفي قصة موسى عليه السلام: (( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ))[الصافات:102].
فاتقوا الله وتحروا ما أثنى الله عليه وطلبه منكم من تزكية النفوس بطاعة الله، وتجنبوا ما ذمه الله وأمركم بتركه من تزكيتها بالمدح والثناء والإطراء والدعاوى التي لا مستنداً ولا أساساً ولا داعي لها، يقول سبحانه: (( هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ))[النجم:32].
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم ارض عن خلفاء رسولك أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن جميع أصحابه، اللهم احشرنا في زمرتهم يا ذا الجلال والإكرام.. يا حي يا قيوم.
اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق، اللهم ألف بين قلوب المؤمنين، اللهم أصلح قادتهم، اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين، اللهم أقم اعوجاجهم وزدهم خيراً إلى ما عندهم من الخير، يا ذا الجلال والإكرام.
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون (( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ))[النحل:91]

تحميل : Word
ارسل لصديق
طباعة الصفحة
أدخل كلمة البحث:
 
 
( 1146859 ) متصفحين للموقع
( 242 ) فتاوى
( 100 ) الصوتيات
( 0 ) المؤلفات
الشيخ/ ابن جبرين..
اللجنة الدائمة لل..
الشيخ/ ابن باز..
الشيخ/ ابن عثيمين..
 
حقوق النشر والطبع محفوظة لموقع فضيلة الشيخ عبد الله بن حسن القعود
  info@alqaoud.net
فن المسلم لتصميم مواقع الانترنت و الدعاية و الاعلان